إنتي جاية تشتغلي إيه؟

فيه بيوت وعائلات بيكون فيها تبادل للأدوار بين أفرادها بشكل غريب جداً..

 

يعنى فيه أم بتبقى كل هوايتها إنها تجيب بنتها الصغيرة وتقعد تشتكيلها من معاملة أبوها ليها.. وتنتقده قدامها.. وتحكيلها على تفاصيل الخلافات اللى بينهم.. للدرجة اللي تخلي البنت تحس بالمسئولية عن أمها، وتاخد موقف من أبوها.. وتبدأ تقف قصاده.. وتحمل هَمّ الدفاع عن أمها.. وحمايتها.. وأخد حقها.. مع إن دى مش شغلتها.. وده مش مطلوب منها أصلاً..

 

ابن تاني.. بيتعامل معاه أهله بشكل يخليه يحس إنه هو الشخص اللي لازم يتدخل دايماً علشان يحل المشاكل اللي بينهم.. ويصلح المواقف المتأزمة في علاقتهم.. يكلم أمه.. يروح لأبوه.. يهدِّيهم.. يفهمهم.. يفك الاشتباك ما بينهم.. وكأنه هو القشة اللى ساندة البيت ومانعاه من الانهيار.. وهو الشخص الليى شايل على عاتقه استمرار هذه الزيجة.. ونجاح هذه الأسرة.. حتى لو على حساب نفسه..

 

ابن آخر فى أول كام سنة من عمره.. يتعمد أبوه بكل إصرار وترصد إنه يوصلّه إنه راجل البيت.. اللي مسئول عن أمه واخواته في غيابه.. يشخط وينطر بداله.. ويتحكم فى خط سير الأمور مكانه.. مش بس كده.. ده ساعات كمان يخليه يعمل كده في حضوره وأمام ناظريه..

 

ظهرت المشكلة؟

وضحت الصورة؟

لسه؟

 

طيب اقرا الكلام تاني كده..

 

هاتلاحظ إن البنت الأولى بتعمل فى البيت وظيفة (الأم) بالنسبة لـ(أمها).. هى المسئولة عنها.. هي اللى مفروض تحمى وتدافع.. هي اللي تتخانق وتثور وتزعل.. هي بطلت تشتغل (ابنة).. واشتغلت (أم)..

 

الابن التاني أهله بيخلوه يلعب دور الوالد أو الجد (الحكيم).. طوق النجاة.. اللي من غير وجوده تخرب الدنيا.. ومن غير تدخله تتفاقم المشاكل.. ويتحمل هو عبء حلها.. هو هنا بطل يشتغل (ابن).. واشتغل (أب) لأبوه ولأمه..

 

أما الابن التالت، فأبوه قرر كده بكل بساطة إنه يشغله (زوج) وأحياناً (أب).. بغض النظر عن سنه.. وعن حقه في إنه يعيشه.. ويستمتع بيه..

 

تبادل الأدوار والوظائف والمهمات فى البيوت بالشكل ده مؤذى بشكل مزعج جداً.. بشكل يشيب الشعر أحياناً..

 

أنا شوفت البنت اللى عندها تسع سنين.. وأمها بتجيبها كده كل يوم، وتقعد تحكيلها عن تفاصيل علاقتها الجنسية مع أبوها.. وإزاى هي بترفضه وبتقرف منه ومش عايزاه.. وازاى هو في نظرها شهواني وعنيف.. وتوصفلها حاجات أستحى إني أكتبها هنا.. تفتكروا البنت دى هاتحس بإيه؟ للأسف هاتحس بالذنب والتقصير وقلة الحيلة.. لأنها مصدقة إن أمها بتتأذي وهي مش قادرة تعملها حاجة.. فتضطر المسكينة إنها تشتغل (أم) لـ(أمها).. وتنيمها كل ليلة عندها فى أوضتها.. وتمنع أبوها إنه يوصلها.. وتتخانق فيه لو قرب منها.. وتكرهه.. وتكره صنف الرجالة كلهم.. وتكره الجواز واللي بيتجوزوه..

 

شوفت كمان البنت اللى عندها سبع سنين.. وأول ما مامتها تخلف طفل جديد.. ترمي عليها مسئوليته.. تشيله وتحطه.. ترعاه وتاخد بالها منه.. تشتغل (أم) لأخوها أو أختها.. تأكله وتشربه وتحميه (وهي نفسها محتاجة اللي يأكلها ويشربها ويحميها).. ولولا إنه ماينفعش.. كانت أمها طلبت منها ترضعه..

 

وشوفت البنت أو الولد اللى عمره عشر سنين.. وطول الوقت أهله محسسينه إنه عامود البيت.. وميزان العيلة.. الناجح.. العاقل.. الدرع الواقي وطوق النجاة لأسرة كاملة وسط عواصف الحياة..

 

حرام عليكم..

 

بتكبروا الأطفال قبل أوانهم.. بتحرموهم من طفولتهم وحقهم فيها.. بتخلوهم يلعبوا أدوار غير أدوارهم.. ووظايف حياتية غير وظايفهم بتاع سنهم وعقلهم وظروفهم.. بتكلفوهم بمهام مستحيلة لأى عاقل.. أو حتى مجنون..

 

كلنا بنؤدى أدوار مختلفة ومتشابكة فى الحياة.. بس امتى؟ وازاي؟ وفين؟ ومع مين؟ وليه؟ وكام مرة؟

 

مافيش مشكلة إن البنت تساعد أمها.. بس بما يتناسب مع سنها وقدرتها ودورها الحقيقي فى البيت..

 

جميل جداً إن الولد يبقى جدع وشجاع وحسن التصرف.. بس فى حدود سنه وإمكاناته وظروفه..

 

مطلوب طبعا لما الأب والأم يتعبوا أو يكبروا وتضعف قواهم إننا نساندهم ونساعدهم ونعولهم ونتكفل بيهم.. لكن مانعملش ده واحنا لسه أطفال وهم في عز عنفوانهم وقوتهم.. ومانعملش ده تحت ضغط وابتزاز عاطفي.. ومانعملش ده واحنا لابسين دور الآباء وهم لابسين دور الأبناء..

 

غير كده.. يبقى خلط مخل للأوراق.. وتبادل مُربك للأدوار..

 

فيه طبعاً مثل أوضح وأشهر وأقرب من كل الأمثلة اللى فاتت.. ويكاد يكون موجود في كتير من بيوتنا العريقة العامرة: الزوجة اللى بتشتغل (أم) لجوزها.. تطبخله وتغسله وتكويله وترتب له دولابه وتلمع له جزمته.. تأكله وتشربه وتنضف المواعين وتروق البيت.. تنيمه وتصحيه وتجهزله الحمام وتحميه تنشفه.. (أم) مثالية (لطفل) يبلغ من العمر عدة شهور..

 

وعلى الجانب الآخر.. نلاقى الزوج الفصامي النكوصي بيلعب دورين مالهومش أي علاقة ببعض.. ومالهومش علاقة بدوره الأصلى (كزوج).. شوية يلعب دور (الابن- الطفل) اللى بيستمتع بكل الخدمات المجانية السابقة.. ويرتع في هذا النعيم الأمومي اللذيذ.. وشوية يلعب دور (الأب) اللى بيعول زوجته – ويعاملها على إنها (بنته).. يشتغل وهي تقعد في البيت.. يديها مصروف يومي أو شهري محسوب.. يتحكم بكل عنجهية فى لبسها ومواعيد خروجها ودخولها.. يوافق أو يرفض انها تشتغل.. يختار أو يعترض على أصحابها ومعارفها.. يستبيح خصوصياتها ويضيّق دوايرها.. و يخلي ليه الكلمة الأولى والأخيرة في كل شئونها.. علشان هو ولي أمرها..

 

والله العظيم شوفت اتنين بيحبوا بعض.. هو بيقولها (يا حبيبتى اعتبرينى بابا).. وهي بتقوله (أنا بادور فيك على اللى ماليقتهوش فى بابا.. إنت بابايا الجديد).. نية واضحة لعلاقة (تَبنّى).. مش علاقة حب وزواج..

 

كلام غريب؟

كلام صادم؟

اتفاجئت؟

معلهش..

دايماً الرؤية صعبة، بس مفيدة..

والحقيقة مؤلمة، بس مُغيِّرة..

 

أنا عارف دلوقت إنك بتراجع نفسك وبتسألها بكل صراحة: هو أنا باشتغل إيه في البيت ده؟

 

ابن رغم إني أب؟.. أب رغم إنى ابن؟.. ابنة رغم إني زوجة؟.. أم رغم إني ابنه؟.. زوج رغم إنى ابن؟.. زوجة رغم إني ابنه؟

 

والله العظيم أنا لما قريت السطر اللى فات ده اتوجعت.. منتهى اللخبطة والحيرة والهم..

 

بنحرم نفسنا (أو نُحرم) من وجودنا الأصيل ودورنا الحقيقي.. ونختار (أو نُضطر) لوجود آخر باهت ودور آخر مصطنع..

 

يادي الوجع ياربي..

 

من النهاردة لو سمحت..

من دلوقت لو سمحتي..

 

ماتشتغلش فى بيتكم أي شغلانة غير شغلتك الأصلية.. وماتطلبش من أي حد في البيت يؤدي وظيفة غير وظيفته..

 

ابن يعنى ابن وبس.. ابنة يعنى ابنة وبس.. الكبار يتصرفوا مع بعض أو يجيبوا حد كبير يتصرف معاهم..

 

زوج يعني زوج وبس.. زوجة يعنيى زوجة وبس.. ماحدش وصي على حد.. ولا حد ولي أمر حد..

 

فيه مشهد شهير من مسرحية قديمة اسمها (إلا خمسة).. بتسأل فيه الراحلة ماري منيب الفنان الموهوب عادل خيرى بشكل كوميدى متكرر وتقوله كل شوية: انتي جاية تشتغلى إيه؟

 

خلى المشهد ده في بالك.. وكرره بينك وبين نفسك أول وآخر كل يوم.. بنفس خفة الروح ونفس السخرية اللاذعة:

 

إنتي جاية تشتغلى إيه؟

 

#محمد_طه

د. محمد طه

د. محمد طه

استشاري الطب النفسي أستاذ م الطب النفسي- كلية الطب- جامعة المنيا- مصر نائب رئيس الجمعية المصرية للعلاج النفسي الجمعي -سابقاً زميل الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين عضو الجمعية العالمية للعلاج النفسي الجمعى عضو الجمعية الأمريكية للعلاج النفسي الجمعي وصاحب الكتابين الأكثر مبيعًا الخروج عن النص وعلاقات خطرة

كل مقالات د. محمد طه