مشروع الزواج مرفوع مؤقتاً من الخدمة

الزواج سنة الحياة، مقولة يُدركها الجميع ونسعى جميعاً لتحقيقها. ملايين من الشباب والفتيات حلمهم يراودهم حلم الزواج وتكوين أسرة سعيدة وبرغم ذلك انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تأخر سن الزواج ليس بين الإناث فحسب بل بين الشباب أيضاً وتحولت لهاجس يخشاه الجميع. وفي ظل تراكم التعقيدات التي باتت تُؤرِّق الشباب، لم يعُد الزواجُ ذلك الحلمَ الورديَّ الذي يداعب خيالَ الشاب والفتاة وينتظرانه بفارغ الصبر لتحقيق أمنية العمر وأصبحت العزوبية ظاهرة ونتيجة طبيعية لما يعانيه الشباب من ظروف يصعُب معها -بل يكاد يستحيل- على الكثيرين توفير مسكن مستقل إثر سنوات طويلة من العمل المُضني.

أكد إستطلاع حديث للرأي أن 10 % من الأزواج يتمنون العودة إلى حياة العزوبية التي كانوا يتمتعون بها قبل دخول قفص الزوجية فيما أفاد 42% من المُشاركين أن الزواج كان مفيداً لهم عندما سُئلوا عن مدى رضاهم عن الحياة الزوجية وفي الوقت نفسه أكد 44% أن لكل مرحلة مزاياها فيما أشار 2% إنهم يجدون فرقاً بين الحياة الزوجية والعزوبية ترتبط بالتغيير الإجتماعي الذي يحدث في المجتمع، وقد ساهمت عوامل عديدة منها التعليم والعمل وإستقلال المرأة مادياً في تأخر سن الزواج وهو نوع من التمسك بالعزوبية لآخر مدى فإن حدث الزواج يصطدم هؤلاء بالمسؤوليات والإلتزامات التي تفرضها الحياة الجديدة وإما أن يكون الفرد مُهيأ للتعامل مع أعباء تلك الحياة الجديدة وإما أن ينتابه الندم والحنين لحياة العزوبية الخالية من الإلتزامات والأعباء. يدخل بعض الشباب أيضاً  تجربة الزواج وهم غير مهيئين تماماً لها ولا يعلمون شيئاً عن مسؤوليات الزواج والخلافات التي قد تنتج بعده بل إن البعض يعزف عن الزواج تفادياً لحدوث مثل تلك الخلافات التي يسمعون عنها من الأصدقاء والصديقات، وأول شيء يجب أن يعرفه هؤلاء الشباب أن وجود خلافات بعد الزواج لا يعني تفضيل حياة العزوبية أو العزوف عن الزواج فهو تفكير سطحي وغير ناضج إذ أن كافة الدراسات والأبحاث التي درست موضوع العزوبية تُؤكد أن مشاكل العزوبية أكبر وأخطر من خلافات الحياة الزوجية فليست العزوبية ولا الحنين إليها إلا وهماً بل ويُمكن النظر إلى ذلك الأمر على أساس كونه نوعاً من أنواع الهروب وعدم تحمل المسؤولية.

تتزايد أعداد المُضربين عن الزواج في العالم فالعزوبيّة لم تعد وضعاً إجتماعياً مكروهاً بالنسبة إلى شابات وشبّان كثيرين بل صارت خياراً اقتنعوا به وارتاحوا له وعاشوا سُعداء به. اعتبارات كثيرة طرأت على الحياة الإجتماعيّة المعاصرة دفعت المئات إلى حمل شعار «لا للزواج» أو على الأقل تأجيل هذا المشروع لحين الإقتناع التام. فعلى قدر ما تبعث كلمة الزواج السحرية الفرحة في قلب المرأة، فإنها تبعث الخوف والرهبة بعقل وقلب الرجل وكيانه ككل إذ تختلف كثيراً نظرة الرجل إلى الزواج عن نظرة المرأة إليه فهذه العلاقة الإنسانية التي تقوم عليها الحياة تدفع الرجل لمزيد من الخوف والرغبة في الهروب بدرجة تفوق الإنشراح والإقبال على تلك العلاقة المصيرية والتي تُشكل نقطة تحول جذرية لديه. يرى الرجل الزواج من منظور مُختلف تماماً فالزواج في نظر الرجل ليس فقط العلاقة التي تُقام على أساسها الحياة وتحافظ على الجنس البشرى ولا حتى يُمثل الزواج بالنسبة له توفير لإحتياجاته النفسية والجنسية بل تكون هناك عدة أمور أخرى تراود تفكيره عندما تلعب فكرة الزواج بها تلك الأفكار تدفعه للخوف من الزواج والهروب منه.

ما‭ ‬يدور‭ ‬بعقل‭ ‬الرجل‭ ‬عند‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الزواج؟

الخوف‭ ‬من‭ ‬المسؤولية

يخاف الرجل كثيراً من فكرة تحمل المسؤولية حتى ولو كانت مسؤولية نفسه وعندما يفكر في الزواج يُدرك أنه سيتحمل مسؤولية نفسه وزوجته والأولاد فيما بعد بجانب مسؤولية العمل علي إنجاح هذا الزواج وبالطبع تتزايد المسؤوليات والأعباء على عاتقه وهو الأمر الذي يجعله يرى الزواج كالحجر الثقيل الذى سيُوضع على صدره طيلة عمره ولا يملك عندها سوي التفكير في كل تلك الأعباء والمسؤوليات التي سيتحملها وعليه يعدو ويركض بأقصى سرعة مُمكنة بعيداً عن قفص الزواج المزين بالمسؤوليات الكبيرة والأعباء المُتراكمة.

إغراءات‭ ‬الإستقلال‭ ‬المادي

حتى وقت غير بعيد، كانت فكرة الفتاة عن المستقبل الوردي والسعيد تتمحور حول منزل صغير وجميل تُزيّنه على ذوقها وزوج ميسور الحال تحبّه وتحترمه وأولاد يزخر بهم عالمها الصغير فتنشغل بتربيتهم والإهتمام بشؤونهم وأمورهم وتحلم بمستقبلهم وتسعي لتحقيق أحلامها بهم ولهم. أمّا اليوم، وبعد أن تسنّى لها إستكمال تعليمها والحصول علي أعلي الشهادات وبالتالي الحصول على فرصة عمل بالمجال الذي تختاره ومن ثم إستقلّت مادياً وبات لديها دخلها الخاص الذي يخوّل لها الإعتماد الكامل على نفسها ومن ثم أمست لا تشعر بالحاجة لوجود الأب أو الأخ أو حتى الزوج. ساهمت تلك الإستقلاليّة في تغيير نظرة المرأة إلى الزواج فالصبيّة اليافعة لم تعد مُستعدّة للتخلّي عن الحياة المريحة التي تعيشها إلا إذا كان البديل مُغري ولا يُقاوم.

الخوف‭ ‬على‭ ‬الحرية

يرى الرجل الزواج علي أساس كونه الطوق الذهبي الذي يلفه بنفسه وبإرادته الكاملة حول عنقه ليُقيد من حريته ويُحد من إنطلاقه فأكثر ما يخشاه الرجل في حياته هو فقدان حريته التي يشعر أنها مصدر سعادته الأساسي والسر الأعظم من وجوده فيكون الرجل مستعد لخسارة أي شيء في حياته مهماًَ بلغت أهميته والتنازل ربما عن كل شيء يملكه ولكنه أبداً لا يُفرط في حريته وإستقلاله. ولأن الزواج من وجه نظر الرجل يُعتبر القفص الذهبي ولأن الرجل لا يقوى علي العيش بقفص حتى وإن كان من ذهب فدوماً العزوبية تظل الحل الأمثل إذ يرى الرجل أنه قادر على الحياة بدون زواج على أن يعيش مُقيد بدون حرية ولذلك يهرب الرجل من القفص الذهبى المُسمى الزواج مهماً أغرته المرأة به.

الخوف‭ ‬من‭ ‬الفشل

سيعي الرجل دوماً بطبعه إلى النجاح بشتى مجالات الحياة ويخاف كثيراً من الفشل ويظل الفشل من الزواج علي رأس الهواجس التي تُلاحق الرجل الذي يُدرك جيداً أن الزواج حياة وأنه إذا فشل في الزواج فسيكون ذلك فشلاً محورياً بحياته وهو الأمر الذي لا يتقبله الرجل علي الإطلاق. وعندما تدور فكرة الزواج برأس الرجل، تراوده أيضاً هواجس إحتمالات حدوث الفشل. وفي كثير من الأوقات، تكون إحتمالات الفشل هي الأقوى بداخله وهي القادرة على فرض سيطرتها علي عقل الرجل فتطرد بدورها فكرة الزواج بقوة وعنف من عقل الرجل الذي لا يجد مفر سوى الهروب من فكرة الزواج ورفضها من الأساس.

الخوف‭ ‬من‭ ‬الإنجاب

تظل فكرة الإنجاب وتربية الأطفال من أكثر الأفكار التي تبُث الرعب بداخل الرجل فإرتباط الزواج بالإنجاب وتربية الأطفال يجعل فكرة الزواج نفسها مصدر هواجس مُفزعة بعقلية الرجل ونفسيته. يخشي الرجل بشدة تحمل مسؤولية تربية الأولاد والعمل علي جعلهم أشخاص صالحين ويجد أنها من أكبر وأعقد المسؤوليات التى من الممكن أن يحملها في يوم من الأيام ولذا يُغلق الرجل باب تلك المسؤولية بإحكام من خلال غلق أبواب التفكير بالزواج بشدة والهروب بعيداً عنها بكل السُبل.

مخاوف‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬الزواج‭ ‬

تتولد بعض الصراعات النفسية بداخل الفتاة من جراء تقربها الزائد من الأب نتيجة حنانه وتدليله لها وقد نجد في المقابل قسوة من قبل الأم ومبالغة في التنافس بينها وبين إبنتها. الأمر برمته يعود لبعض الأساليب التربوية الخاطئة وعدم الوعي لدي الأبوين وعدم فهمهم لطبيعة إبنتهم والمرحلة العمرية التي تمر بها مع عدم وجود مهارات في التعامل مع الآخرين وقلة الذكاء الإجتماعي مما يُحدث الصدام وكثير من المشكلات نتيجة سوء التصرف وقلة الخبرة في التعامل وهو الأمر الذي يجعل الفتاة تتجنب الآخرين وتخشى التعامل معهم ويجعلها دائماً وحيدة ومُنعزلة بسبب ضعف شخصيتها وقلة خبرتها ووجود مشكلات أسرية تُؤثر عليها بشكل كبير. هناك أيضاً فتيات يمتزن بالأنانية والنرجسية والتي تجعلهن تعتقدن أنهن صاحبات شخصية مثالية وجمال باهر وأن جميع تصرفاتها وآراءها سديدة ولديها تضخيم للذات بصورة كبيرة فتقتنع بأنها شخصية إستثنائية وتحتاج لشخص كذلك فلا تقبل الآخرين بسهولة وتنتظر الشخص المثالي، كما أن نقص المعلومات الجنسية والجهل بها يُوتر الفتاة ويُقلقها ويُؤثر على علاقاتها بالآخرين بل قد يُبعدها عن الجنس الآخر بصورة مبالغ فيها أو يُقربها بصورة مبالغ فيها أيضاً مما يؤدي لتصادمات وتوتر بالعلاقات وفشلها. وقد يجتمع أكثر من سبب لدى الفتاة مما يُزيد التعقيدات لديها. وأخيراً، لابد من القول أن علاقة المرأة بالرجل وزواجهما ليست سهلة أبداً والخوف من الزواج بالنسبة للمرأة مشكلة حقيقية تحتاج لجهود عديدة وتفهم وصبر وتوفيق من الله.

[avatar]

فريق تحرير النهارده

نحتاج يومياً لمعرفة كل ما يدور في العالم من حولنا فالأحداث تتلاحق في سرعة كبيرة والموضوعات تتنوع علي نحو بالغ وهناك في كل لحظة العديد من الأخبار والأحداث والموضوعات الجديدة في شتى المجالات التي تهم كافة أفراد الأسرة من نساء ورجال وأطفال وشباب

كل مقالات ElNaharda