لماذا نخاف؟

د: إنجي منيب

لطالما أقنعت نفسي مراراً وتكراراً أنني لا أخاف ولطالما أخذتني الثقة بنفسي والعالم من حولي لتعلو فوق ذلك الشعور الخفي الغامض الذي يغلفك بسياج حديدى من الريبة والقلق ويجعل من التواصل بينك والعالم المحيط ضرباً من المحال أو قل من الصعوبة بما يستلزم كثيراً من الجهد والتركيز وضبط النفس الحبيسة داخل جدران ذلك الشعور الأليم داخل أسوار الخوف!! 

لكأن الشعور بالخوف عار علي النفس وشبح يطارد أقوياء هذا العالم.. نخاف من الغد.. من اليوم.. من ذكريات الأمس.. نخشى من نكره ونخاف علي من نحب.. نرهب المغامرة ويطاردنا شبح المخاطرة.. نأمن المألوف، التقليدي، المعتاد ونخاف كثيراً من التجربة.. من الجديد بل قل من التجديد. نظرية “من تعرفه خيراً ممن تجهله”.. شعور مقيت بحب الثبات وإن كان جموداً والاستقرار وان كان قنوطاً والسير علي خط واحد وفلسفة راسخة لا تتغير وان صاحبها كل الملل!! في العمل، نخشي الانتقال من مكان لآخر فتضيع الفرصة، في الحب، نخشي الألم فتتوه السعادة، في الزواج، نخشي الفشل فتطاردنا أشباحه فنضل الطريق وفي الحياة، نخشي الموت فتأتي النهاية ومعها نخشي البداية من جديد!! نستسلم لأحاسيس الخوف، تملؤنا فلا نحلل أسبابها ولا نحاول التغلب عليها بل نرضخ لسطوتها وسيطرتها وذلك المارد الكبير يسحق بداخلنا الهدوء النفسي وتلك السكينة المحببة والأمل في غد قريب.. يأتي أو لا يأتي.. وماذا يهم.. فالأصل في الغد، الأمل وكثير من السعادة في انتظار المجهول الذي ربما يغير الأقدار ويبدل الصور ويمحو الواقع الأليم.. أهو ضعف النفس البشرية التواقة للسهل الهين وكل المتاح.. أهي الرغبة في الشعور بالهزيمة أمام ذلك المجهول.. أياً كانت صوره أم هي رهبة من فقدان ما نحب وما نملك وما نخشي فقدانه أم تلك الأسباب مجتمعة في بوتقة واحدة تختلط داخلها الأوراق وتتشابك كل الصور وتكون النهاية مزيداً من الخوف!! ودوماً نتخيل ما لا يمت للواقع بصلة قوية، نري القوي شجاعاً ونري الضعيف أجبن الجبناء.. نري الصلابة في التبلد مناهضة في ذلك الشعور بالقلق والثقة دواء لشعور الخوف المرضي والإيمان أساس لطرد الخوف من القلب والهواجس من النفس والعقل والوجدان. 

في تلك النظريات وغيرها كثير من الصواب لكن يشوبها بعض الأخطاء والمتناقضات اذ يعتقد البعض أن الخوف شعور سلبي وعرض مرضي كريه ينبغي التخلص منه.. يظلمون الخوف بخوفهم منه.. يجورون بالحكم الجائر علي ذلك الشعور الذي يدفعنا، برغية قوية، في الحفاظ علي ما نملك وكل من نحب.. فالخوف ليس كله ضاراً بل قد يصبح شديد الايجابية إذ يدفعنا لمزيد من الثقة والتفاؤل فالخطأ إذن في التعميم والتصنيف المطلق دون وعي وإدراك للتشابك بين المفاهيم والأحاسيس والأفكار. الخوف أيضاً شعور يحوي بين طياته كل المنتاقضات.. سلبيات كثيرة وكثيراً من الإيجابيات وعدة مواطن قوة وضعف متداخلة يدفع حيناً للتقوقع والإنغلاق والجمود لكنه أيضاً يبث بداخلنا الرغبة في القتال ومحاربة ما نكره والحفاظ علي ما نحب.. شبح الإنفصال قد يدفع المحبين لمزيد من التواصل في رغبة أكيدة لإزالة الخلافات قبل أن تتفاقم وإذابة التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول لمعضلات يصعب السيطرة عليها، خوف الأم يدفعها للإقتراب من وليدها، لتصبح أكثر تفهماً واستيعاباً وتواصلاً، خوف رسوبنا فى الامتحانات صغاراً دفعنا للنجاح وخوف الفشل يدفعنا كباراً للتفكير فيما يهد المعبد ويشوه الصورة ويقود للإنهيار في نهاية الأمر. 

إلهي.. أيكون الحب أساس الخوف؟ ولم لا والرهبة نتيجة طبيعية لشدة الثقة والإيمان.. فمن فرط إيمانك بذاتك، تحيطها بكل ما تحب وتحول بينها وبين الأذي والهوان ومن شدة إيمانك بمباديء تبذل الجهد لتظل حقيقة ومن شدة ثقتك بالغد تأتي الرغبة في الخفاظ عليه. أما ذلك الخوف الذي يخشاه الجميع، فهو الشعور المرضي بالهزيمة الذي يحول دون تحقيق النصر.. ونفس الشخص قد يحمل –بداخله- الوجه الإيجابي للخوف وصورته السلبية في نفس الوقت.. إذ هما في الأصل وجهان لعملة واحدة.. فالأم التي يدفعها الخوف إلى الاقتراب من وليدها، قد يدفعها الشعور ذاته إلي خنقه ومنعه من الاستمتاع بأيامه والزوجة التي تكن كل الحب لرفيقها قد تضيعه بالرغبة في السيطرة عليه، ويدفعها لذلك خوف مرضىاً ومزمناً من فقدانه.. وقديماً كانت جدتي رحمها الله تردد علي مسامعي “من يخشى العفريت يراه” كانت امرأة قوية لا تهاب الحياة وتعيش بكل جوارحها في انتظار الغد حتي تعدت السبعين ولا تزال تحلم بالمستقبل بعد أن أصبحت في عمر الزمن ذكري وكانت تلك المقولة من أصدق ما سمعت تعبيراً عن ضرورة تحويل الخوف المرضي الإنهزامي لقوة بناءة وطاقة نور بأن تدرك الخطر وتعمل لإصلاحه بدلاً من الإستسلام له.

معركة علينا خوضها بصبر وكثير من الحكمة.. سلاحنا فيها إرادة وعدونا نفس ضعيفة وقلب يتوه مع تضارب المعطيات من حوله، معركة ينتصر فيها أقوي الجبناء وأشجع الخائفين.. لا تخش الظلام الدامس، فستنفرج خيوط الليل حتماً لتبدو منها خيوط الفجر الأولي.. لا تخش الفشل، فمن جوفه، يولد النجاح.. لا تخش المغامرة، فالحياة مقامرة خلقت.. لا تخش الغد فهو يوم جديد ولا شبح الأمس، فهو ماض ولي ومعه كل الذكريات.. والذكري طيف والنسيان نعمة أصبغتها علينا إرادة قدر عادل ولتسعد باللحظة قبل أن تمضي وبالفرح قبل أن يزول وبالابتسامة قبل أن تولي.وباليوم قبل أن يصبح ذكري وبشعور الأمل اللذيذ قبل أن يمسي وهماً وسراباً نبكي أدراجه فالغد قادم لا محال يحمل الخير أو الشر.. ما يرضيك وما يسوءك.. لا يهم.. فالأصل فيه غد جديد متجدد.. ويوماً آخر في أجندة الحياة.. فيه الحزن يأتي حتماً ان كان قدراً.. فلم الانتظار.. لا تستعجل.. ستحزن حينها بما يكفي وتخسر السعادة إن جاء الغد بالفرح ولتعلم أن حكم القدر نافذ لا محال ومكتوب علينا الإنصياع له فلا تدعه تعبث اليوم بما ستحياه غداً فلن نغير الأقدار مهما بلغت قدراتنا وأبداً لن يبدل الخوف مصيراً محتوماً. 

تلك السطور أكتبها إليك ونفسي قبل الآخرين، رسالة حب وأمل أبعثها إليك، تدهشك قوتي وإيماني المطلق بالقدر، أخاف.. أحياناً.. كثيراً بل قل طوال الوقت لكنني أبداً لا أدع الخوف يتملك نفسي القوية الشامخة ودوماً أخلق منه مفهوماً آخر وأستلهم منه قوة بناءة وإرادة خفية تدفعني لمزيد من المثابرة والمكابرة وربما العناد للمضي قدماً ولماذا أخاف وحكم القدر نافذ لا محال ولماذا أخاف ورهبة الموت دوماً تقتل بداخلنا فرحة الميلاد!!

[avatar]

فريق تحرير النهارده

نحتاج يومياً لمعرفة كل ما يدور في العالم من حولنا فالأحداث تتلاحق في سرعة كبيرة والموضوعات تتنوع علي نحو بالغ وهناك في كل لحظة العديد من الأخبار والأحداث والموضوعات الجديدة في شتى المجالات التي تهم كافة أفراد الأسرة من نساء ورجال وأطفال وشباب

كل مقالات ElNaharda