لماذا لا يتزوجون؟؟

د: إنجي منيب

تطالبه بكل الوقت وتتجاهله حين يأتي إليها لتبحث عنه دوماً حين يغيب!! تسأله المشورة ولا تعنيها آراءه ولا تأخذ بها، تدعى البحث عن راحته وسعادته فترهقه بمطالب لا تنتهى، ترفع شعار الثقة المتبادلة وتطارده طوال الوقت، تأسره بمشاعرها وتتمرد عليه، ترضيه بخضوعها لتخنقه بشطحاتها وحديثها السلبي طوال الوقت، تتهمه بالثورة وهو الهادىء، بالعنف وهو اللين، بالقسوة وهو المحب، بالخيانة وهو أوفى الأوفياء وحين يمضى، تذرف الدمع وتنهار لتعود دوماً وتبحث عنه!! سنوات طويلة مضت على مشاعر جمعت بينهما وحلم استقرار أبدى وحياة جديدة تمتد أمام الأعين الباسمة فلا فرار من الإرتباط ولا جرأة من كليهما معاً على تحديد المصير واتخاذ القرار.. أيام تمضى بلا قدرة على المواصلة فى رحلة أنهكت كليهما بقدر ما أسعدتهما ولا سبيل للإنفصال!! كثير من الحب ألف شتات القلوب ومشاعر فياضة فرضت علي العقل سياجاً غليظاً من رغبة أكيدة فى التواصل.برغم البعد، شئ ما يجمعنا معاً، لا زلنا على الوعد والعهد والقرار. تتعبه بترددها الدائم، تخنقه بعنفها المستمر، تثير حفيظته بإنفعالاتها غير المحسوبة، تغضبه بعندها غير المبرر وتُبعده بتقلباتها فتؤرقه بغموضها لتعيده مشاعره دوماً إليها ومزيد من الأرق والتوتر والقلق وقرار الإرتباط يلوح فى الأفق وشبح الزواج على الأبواب!! ودائماً، شكوى من جانبها وقلق وحيرة من عقله المضطرب وإلحاح شديد بتغيير المصير. حقها بلا جدال وحقه أيضاً فى التمرد إذ لم ير قط ما يُذهب الحيرة ويريح النفس ويطمئن العقل الحائر بين المتناقضات!! فرضت عليه كغيرها كل التردد والتقلب والحيرة وربما القسوة والعناد. وعند النهاية، تسأله لماذا لا تتزوج؟ يا معشر الرجال، لماذا لا تتزوجون؟؟

وللحق، سؤالها ليس حدثاً عابراً بل تيمة سائدة وتساؤل مُلح يفرض نفسه على النساء وكل الرجال.. لماذا لا يتزوجون؟؟ سنه مناسبة للإرتباط، شوطاً طويلاً قطعه فى تحقيق الذات وسنوات من العمل المضنى حققت توازناً واستقراراً ملحوظاً، إمكانيات مادية مرضية والغد يحمل المزيد واستعداد معنوى لا شك فيه إذ يشترك مع الغالبية فى ترديد سيمفونية الإستقرار والبيت والأولاد وحلم الأسرة والسكينة المنشود فى سنة بديهية للكون. وعند القرار، يتردد ولا يتزوج، كلهم يترددون وأبداً لا يتزوجون وتعانى النساء ويُتهم جنس الرجال بأسره باللهو والهلث واللامبالاة وغياب الجدية فتتبدل الصور ويُمسى الكائن المحب وحشاً كاسراً يذبح قلوب المحبين ويُضنى النفوس ويشل قدرة العقل على التفكير، لماذا لا يتزوجون؟؟ سُؤال تطرحه النساء وينفر منه الرجال، دراما حية تتوه بين مشاهدها امرأة حائرة ورجل متردد، مُقبل مُدبر فى بادىء الأمر ومكر مفر فى نهايته، عازفاً عن الزواج جاعلاً من الرباط المقدس هدفاً تسعى وراءه إمرأة مستميتة ومصيدة يهرب منها كل الرجال!! والأجدى أن نتساءل، لماذا يتزوج الرجل فى محاولة لتحديد الأسباب المنطقية وراء عزفه عن الزواج.. تعددت الأسباب والنتيجة واحدة، بيت صغير يضم العاشقين، أطفال يمرحون بالفناء الرحب، عالم يجمعنا، تفاصيل دقيقة تقارب بين الغرباء فتجعل من البعيد أقرب الأقربين وحياة تمتد بسنوات العمر بحلوها ومرها، بذكرى عذبة وأمل متجدد وكثير من الصور المتناثرة تكتمل يوماً بعد يوم.

جاءت حواء من ضلع آدم وخُلق فى الأصل لها ومن رغبة مشتركة فى التواصل، جاء البشر وولدت الإنسانية من لحظة لقاء. واليوم، ما عاد البيت سكناً يجمعنا وما عاد الأطفال حلماً مشتركاً وما عادت السكينة بل أمسى الصراع والضياع والعنف سمة حياة يومية نتقاسمها معاً. اختلفت جذرياً تلك الصورة المقدسة للأسرة والبيت، تتصارع، تتلاحق وتتكاثر يوماً بعد يوم. انطلقت سيدة المنزل خارجه فناطحت الرجال مُستحوذة على قدر وافر من الفرص ومُحققة طموحات يشهد لها المحيطون وانبرى خلفها أطفالها صغاراً وشباباً من ساكني الفندق المجانى حيث يمضون الليل ليأتى النهار وإنطلاق خارج الجدران فلا حديث مشترك ولا كلمات متبادلة سوى رغبات وطلبات وكثير من إنتقادات!! فالأم حاضرة غائبة والأب مجرد دفتر شيكات!! وللحق، سعد الرجل بدوره كوزير للمالية والمسئول الأول عن تمويل الأسرة وقنع بالدور الثانوى كوسيلة شرعية لحياة مُترفة تاركاً خلفه أعباء ومسئوليات ضارباً المثل لذويه فى مزايا الزواج على الطريقة الحديثة وبناء أسرة عصرية مكتملة الأركان. وسط ذلك الخضم الهائل من التضارب، تعود المرأة بجبروت مستكين مُكررة على مسامعه ضرورة الزواج. تتساءل بإستغراب ويُجيب بإستنكار وأين الزواج؟ في امرأة تُطاردك ليل نهار مطالباك بما لا تطيق، في أبناء يهجرونك مع سنوات العمر الأولى وطلبات منزل لا تنتهى وأعباء مالية تتراكم وإلتزامات خانقة تميتك يومياً بأكثر ما تحييك!! ولأن الرجل بطبيعته مخلوق بريء وأنانى أقرب للسذاجة وربما الجبن رغم ادعائه قمة الصلابة والإرادة ومنتهى القوة، يهرب. ولعجزه عن رؤية الأبعاد الحقيقية للصورة، يفر إذ تشل سرعة المرأة ولهفتها وملاحقتها وإلحاحها رغبته فى التفكير الهادىء والتروى والحسابات العقلانية، يهرب منها فتطارده، يختفى عن أنظارها فتلاحقه ويمل من فراره منها ليسقط صريعاً وفريسة صعبة أو سهلة فى نهاية الأمر!!

وقديماً قالوا «المرأة الذكية لا تطارد رجلاً فالمصيدة لا تطارد فأراً» فتكنيك الوصول لقلب الهدف بعيد تماماً عن إستراتيجية امرأة اليوم وخطتها للفوز فى معركتها الأبدية مع الرجل. دلليه لتأسريه، أريحيه لتتعبيه، لينى أمامه لتكشرى عن أنيابك فيما بعد، عامليه برفق لينسى قسوتك الدائمة، أطعميه ليخجل أيام غيابك الطويلة، أشهرى فى وجهه السيوف ودعيه يعلن المعركة وانهزمى أمامه لتكسبي الجولة وستكسبينها لا محال فلا حياة له بدونك وإن عشت بدونه فأنت القصة الأبدية لابد وأن تكتمل وأنت الحرف التائه والحلم الغائب فى أوراق حياته المبعثرة بدونك ولا فرار من قفصك المحبب وسجنك اللذيذ!! فقط، قليل من الصبر وكثير من الحنكة للتعامل مع مخلوق عنيد ومدلل. لا تلحى فهو أكثر إلحاحاً، لا تندفعى فإندفاعه أشد، لا تستعجلى الأمور فالنهاية قادمة لا محال، لا تزعجيه بمطالبك ولا تخنقيه بتقلباتك ولا تثيريه بعنادك فقط تروى وادخليه القفص الذهبى ليستقر بداخله. اجعليه يطاردك فالرجل صياد ماهر يهوى اقتناص الفريسة صعبة المنال، أشعريه بقوته بإستكانتك وإن كانت ظاهرية وضعفك وإن كان غشاء رقيقاً يخفى خلفه منتهى القوة، ادرسي حقيقته التى يخفيها ونقاط ضعفه التى يهرب منها وعامليه طفلاً صغيراً مدللاً يعشق المغامرة ويندفع وراء المجهول.. فإصنعى له ذلك المجهول ودعيه يلهث خلف السراب الخادع، اخفى عقلك قليلاً فسيحتاجه فيما بعد. أما اليوم، فدعيه يلمس رقتك وعذوبة صوتك وقوة مشاعرك، دعيه يرى فيك الأم الحانية التي يعشق والحبيبة التى يتمنى وتذكرى دوماً كيف كانت جدتك وحياة كاملة تسير فى فلكها وكيف كان الجد المهيب يعود إليها طالباً المشورة والسكن والراحة. عندها فقط.. سيلهث وراءك ابن آدم خاطباً ودك وطالباً رضاك وعندها، تدللى، لا تتعجلى الموافقة فالنتيجة حتمية والأفضل أن تدعيه يقلق ويتعذب فى انتظار جوابك. عندها فقط، سيقبل عليك أضعافاً وسيهفو قلبه لصوتك العذب حاملاً كل الشكوي وسيتوق لتواجدك الملح رغم ما يُسببه له من عناء، سيتلاشى السؤال وسيتزوج الرجال وستنتهى الحدوتة لتبدأ دوماً من جديد!!

[avatar]

فريق تحرير النهارده

نحتاج يومياً لمعرفة كل ما يدور في العالم من حولنا فالأحداث تتلاحق في سرعة كبيرة والموضوعات تتنوع علي نحو بالغ وهناك في كل لحظة العديد من الأخبار والأحداث والموضوعات الجديدة في شتى المجالات التي تهم كافة أفراد الأسرة من نساء ورجال وأطفال وشباب

كل مقالات ElNaharda