الفودو:زومبى وفتيش وسحر أسود..

تعاويذ.. كهنة ملونين.. عروسة قماشية غير منسقة الملامح.. ذلك ما يتبادر لذهنك حينما تسمع «فودو» أو لربما تخيلت أحد الضحايا من الزومبي أو الموتى الأحياء في إحدى مدن جامايكا.. إن كنت من هواة أدب الرعب أو محبي د.أحمد خالد توفيق ستعرف ما أتحدث عنه، وإن لم تكن فلربما تستمتع بالمذهب الكابوسي!!
الفودو «Voodoo» في الأصل كلمة أفريقية تنطق «Vodum» ومعناها الروح. وهي ديانة ذات أصول أفريقية تعود إلى عشرة آلاف عام من عمر القارة السمراء وهو عبارة عن خليط لعدد من ممارسات الجماعات العرقية المختلفة في أفريقيا.على الرغم من الأصل الأفريقي لتلك الديانة إلا أنها وبشكلها الحالي، ولدت في أمريكا اللاتينية وبالتحديد في «هاييتي».
عندما بدأت فترة الرق والاستعباد لرعايا القارة السمراء بقيادة المستعمرين الأوروبيين تم نقل أعداد كبيرة من العبيد لمستعمرات أوروبا في الأمريكتين وهناك، تمت محاولات مستميتة للقضاء على كل صلة لهؤلاء العبيد بأوطانهم الأصلية من ثقافة ودين ولغة. كانت تلك المحاولات تتم بمختلف أنواع العقاب والتعذيب والإعدام وكان لابد لهؤلاء من تبني وسيلة لممارسة شعائرهم بشكل سري ومتخفٍ،
بل إن الفودو تبنى العديد من الممارسات المسيحية لتغليف أتباعه بنوع من الأمان أثناء ممارسة الشعائر الخاصة بهم.

لماذا هاييتي؟؟
كانت قوافل العبيد التي يقودها المستعمر الأوروبي تتجه نحو مستعمرات أوروبا فى الأمريكتين حيث تم بشكل كبير القضاء على كل صلة بين العبيد وأوطانهم الأصلية.
ففي أغلب المستعمرات التي صارت اليوم تعرف بالولايات المتحدة الأمريكية استطاع المستعمر الإنجليزي القضاء تقريباً على ديانات العبيد وتقاليد الفودو ولذا، يعتبر اليوم من المذاهب الغريبة بالنسبة لذوى الأصول الأفريقية. في حين لم يتمكن الفرنسيون خلال احتلالهم لبعض دول أمريكا اللاتينية وبالأخص هاييتي من مقاومة هذا الزخم الثقافي والمذهبي لدى قوافل العبيد السود على الرغم من العقوبات المريعة التي كانوا يوقعونها بهم،
استطاع مذهب الفودو النجاة ويعد اليوم أحد الديانات الأساسية في هاييتي وله دور العبادة الخاصة به والعديد من الأتباع والكهنة كما يعد أحد أهم أركان الثقافة والفن والأدب الهاييتي، ومعظم أتباعه من الطبقات العليا والمتعلمين وليس من الأميين والجهلة والفقراء.

في الفودو:
الروح هى الأساس

وفقاً لتعاليم الفودو لا مجال للصدفة ولا حدث يمتلك قدره، والكون وحدة واحدة لا تتجزأ وإن تأثر جزء تأثر الآخر.
يؤمن أتباع الفودو بقدرة أرواح الأجداد على جلب الشقاء أو السعادة لذا، يجب تعظيمها في احتفاليات خاصة تتضمن العديد من الرقص واستخدام الطبول وغناء ترانيم مختلفة بالإضافة للتضحية بحيوانات مختلفة وهو الأمر الذي تشتهر به تلك الديانة.
الكاهن الأعلى لكل جماعة من الفودو قد يكون رجل ويدعى «Papa» أو امرأة وتدعى «Maman» وتتولى استدعاء الأرواح خلال الشعائر المقامة وهذه الأرواح تدعى «Loa» ويمكنها التحكم فى الطبيعة والصحة والثروة والسعادة والخلود لدى الأتباع وقد تتملك من أجسادهم أيضاً خلال إقامة الشعائر الصاخبة، بنفس منطق تلبس الجن فى الثقافة الشرقية.
الموسيقى والرقص أساسيان كوسيلة للتواصل مع الأرواح المقدسة بالإضافة للتعاويذ المختلفة التي يستخدمها الكهنة.

الحياة بعد الموت
على الرغم من كون الفودو من أقدم الديانات الطبيعية لجماعة كبيرة من أفراد الجنس البشري، إلا أن كل ما يعرف عنه لا يتعدى الجانب السلبي وكل ماله علاقة بالتعاويذ المؤذية والأضحية التي يعتقد الكثيرون أنها بشرية بالإضافة لقطبيه الشهيرين وهما دمية الفتيش والزومبي،

نشأت أغلب الاعتقادات ببربرية هذه الديانة واعتمادها على الخرافات والسحر نتيجة لجهود المستعمر الأوروبي فى القضاء علىها فصارت سراً مغلقاً على العديد من الشعوب هذا بالإضافة لتمتعها بالعديد من مواصفات القارة السوداء من أسرار وغموض لا يعرفها سوى متبعيها، ولعل أحد أهم الأسباب أيضاً هو «هوليوود» وصناعة السينما الغربية والتي تفننت بمزج تقاليد الديانة بعدد من التفاصيل الملفقة وبهارات الرعب.
أهم جزء من ثقافة الفودو هو المتعلق بالزومبي أو «الموتى الأحياء» كما يطلقون عليهم في هاييتي حيث يقوم الشخص الميت بعد دفنه ليتحرك ويمشي بين الناس ولكنه يكون مسلوب الإرادة وتابعاً للكاهن الذي قام بإحيائه،

على الرغم من الشواهد، إلا أن عدداً من الباحثين حاولوا التوصل لأسباب منطقية لما يحدث على أساس استحالة قيام أي إنسان بعد الموت،
في عام 1982 قام الباحث الفلكلوري «ويد ديفز»، بالسفر لهاييتي، وتبعاً لمشاهداته وأبحاثه، فقد ادعى أن عملية تحويل الشخص إلى زومبي تتم عن طريق مسحوقين خاصين يدفعان لجسم الضحية عن طريق إحداث جرح في مجرى الدم، المسحوق الأول يسمى بالفرنسية (coup de poudre)، و يسبب للضحية حالة تشبه الموت عن طريق التيدرودوتاكسين وهو سم مميت فاستعمال كمية ضئيلة جداً منه سوف يسبب الشلل الشبيه بالموت للضحية لعدة أيام وفي نفس الوقت لا يفقد الضحية وعيه. والمسحوق الثاني هو (Hallucinogens) وهو مخدر قوي يؤثر على النظام العصبي للضحية كالانفعالات والمشاعر وهو الذي يستعمل في عملية تكوين أو صياغة شخصية الزومبي بحيث يبدو بدون أية إرادة و يطيع سيده طاعة عمياء،
قام ديفز بتقديم مجموعة من الدراسات والمشاهدات لدعم نظريته، وقام بجمع مجموعة من المساحيق وعند تحليلها وجد بها بعض المواد الطبية التي تسبب حالة شبيهة بالموت عند استعمالها وهناك الكثير من المؤيدين لنظرية ديفز على أساس كونها التفسير الوحيد للزومبي وهناك أيضاً من ينتقدونها.
الدعامة الثانية للفودو هو «دمية الفتيش» أو«دمية الفودو» والتي يعتقد الأغلبية بسببها أن الفودو ما هو إلا طقوس لممارسة السحر الأسود. وهي مجرد دمية تهدف للتأثير على أشخاص بعينهم بالضر أو النفع حيث يصنعها الكاهن على شكل جسد إنسان من القماش والقش ويلبسها ملابس قماشية، ثم يضم إلىها شيئاً من الشخص الذي يريد التأثير عليه كخصلة من شعره أو قطرة من دمه أو ظفر من أظافره، بعدها يبدأ في ترديد تراتيل وتعاويذ لتحقيق التأثير على الشخص الذي صنعت لأجله الدمية ومن ثم يمكنه التحكم في تصرفاته وحتى قتله، وفقاً لقوة الكاهن الروحية.
البعض يظن أن هذه الدمية هي سحر أسود حقيقي والبعض يعتقد أنها مجرد هراء. وأياً كان الأمر فمن الأفضل عدم العبث فيما يتعلق بالسحر أسوة بما جاء فى جميع الأديان السماوية بنصوص صريحة تنهي عن ممارسة السحر أو محاولة تعلمه.
وسواء كان الأمر حقيقة أو هراء، سيبقى الفودو محتفظاً بغموضه وأهميته وسط المعتقدات في تاريخ البشرية، وستظل صورة ذلك الأفريقي الذي يرقص عاري الجذع وقد غطت الأصباغ وجهه في ضوء القمر.

[avatar]

فريق تحرير النهارده

نحتاج يومياً لمعرفة كل ما يدور في العالم من حولنا فالأحداث تتلاحق في سرعة كبيرة والموضوعات تتنوع علي نحو بالغ وهناك في كل لحظة العديد من الأخبار والأحداث والموضوعات الجديدة في شتى المجالات التي تهم كافة أفراد الأسرة من نساء ورجال وأطفال وشباب

كل مقالات ElNaharda