الطلاق وصحة الأطفال

مع إرتفاع معدل الطلاق فى المجتمع المصرى، أصبح الأطفال فى مهب الريح بين الوالدين. ويبقي السؤال حول تأثير الطلاق على صحتهم النفسية ومدي السلبيات التي تلحق بأطفال الطلاق.

د. شريف عبد العال

د. شريف عبد العال

حتى الأطفال ممن يعانون من آثار خلافات دائمة بين الأبوين تتغير حياتهم فوق توقاعتهم تماماً إذا حدث طلاق إذ لابد لهم من التأقلم على الحياة بدون أحد الوالدين وغالباً ما يكون الأب، وهى حياة جديدة يشُوبها الترقب والخوف من المستقبل. من الممكن أيضاً أن تنقسم حياته بين منزلين ولايعرف الإستقرار أو أن يتغير مستوى المعيشة الخاص به فيكون عليه الإنتقال لشقة أصغر أو بمنطقة أقل إجتماعياً ومجتمع جديد والأم التى كانت فى البيت من الممكن أن تضطر للعمل والنزول يومياً وترك الأطفال بالمنزل وحتى إذا لم تعمل فضغط الطلاق والإنفصال النفسى عليها قد يُؤدى لجفاء بمشاعرها وحبها وتعاملها مع أولادها بل وفي بعض الأحيان، قد تحمل أطفالها أسباب الطلاق أو تعاديهم لشبههم بالأب شكلاً أو موضوعاً في أياً من الأمور وهو أمر وارد بالطبع.

لا أحد يستطيع الجزم بمدي السلبيات التي تنجم عن الطلاق وتأثيرها علي الطفل فالأمر يعتمد في الأساس على مدى حساسية الطفل وحبه لأبويه ومدي إرتباطه بهما أو بأحدهما. يتوقف التأثير السلبي أيضاً علي طريقة الإنفصال ومدي قابلية الأيوين على الإتفاق على العمل سوياً كيلا يؤثر الأمر سلباً علي الأطفال. تعتمد الحالة أيضاً على سن الطفل وقت حدوث الطلاق فالأطفال دون العامين يعاودون سلوكيات الطفولة فيلتصقوا أكثر بالأم ويكونوا أكثر إعتماداً عليها وقد يصبحوا أكثر إحباطاً كأن يرفضوا النوم أو يستيقظوا أثناء البكاء وقد يزداد البكاء أكثر لديهم ليلاً. أما الأطفال ممن تتراوح أعمارهم ما بين سنتين وخمس سنوات، فمن الجائز أيضاً أن يرتدوا لسلوكيات الطفولة أو يصابوا بعقدة الذنب بكونهم السبب لإنفصال الأبوين إذ يتولد لديهم هذا الشعور ولا يستطيعوا إدراك الحقيقة ومن ثم يتولد لديهم شعور بالإحباط. هناك من الأطفال أيضاً من يكونوا بتلك السن فى دراية جنسية عالية فيتأثروا بغياب الأب ويصبح الذكر أكثر عصبية وعدانية إزاء الأم بينما تصبح البنت أكثر خوفاً وأقل ثقة بالنفس وتفتقد الأمان تجاه الجنس الآخر.

وكلما فقد الأطفال الإتصال أو إنقطع التلامس مع الأب أو كلما زادت المشاكل بعد الطلاق، كلما زاد التأثير السلبي عليهم. ومن الممكن أيضاً أن يتولد لديهم حالة من الشكوى المزمنة من أعراض طبية كالمغص أو الصداع أو الزغللة وقد يعاودوا التبول اليلى اللاإرادي أو تزيد التهتهة عند الحديث وجميعها أعراض نفسىة لجذب الإنتباه والبعد عن المشكلات. وتظل إستجابة الطفل للطلاق الأسرع وقت أو فور وقوع الطلاق بيد أنها تتحول لحالة من التأقلم بمرور الوقت، قد يزيدها أحياناً تعنت أحد الأبوين أو إصرار أحدهما علي النيل من الآخر وتحميله قولاً أو فعلاً سبب الإنفصال وعندها، يبدأ نفور الطفل وقوقوعته. ولعل أغلب الأطفال يتمنون عودة الأبوين بعد الطلاق لبعضهم البعض وتظل تلك الحالة تلح عليهم ملياً حتي ينتابهم الإحباط إثر المحاولات الفاشلة وخاصة في حالة زواج أحد الأبوين من جديد وهو الأمر الذي يلقي علي الطفل ظلالاً من الريبة وعدم الأمان. وفى بعض الأحيان، تتحسن نفسية وسلوك الطفل بعد الطلاق لأن الأبوين يكونوا قد ارتاحوا من المناقشات والعراك ومن ثم يزيدون من جرعة الحنان والحب للأطفال الذين يطلعون دائماً لوجود الأب والأم معاً.

أساسي أن نعرف كون الطفل يمتص ويقلد سلوك الأبوين بصورة متقنة فإن كانوا عصبيين ودائمى الخناق فالأمر ينعكس على سلوكياته وما يزيد الطين بلة إذا ورد ذكر إسمه بإحدى المنازعات وهو الأمر الذي يجعله أكثر حساسية ويولد لديه شعور بكونه أساس المشكلة. ولعل بقاء الخلافات سراً قد لا يزيد أو يحسن من تداعيات الطلاق علي الأولاد بيد أنه علي الأقل يسهم في عدم زيادة الشعور بعدم الأمان. من الأفضل أن نكون صادقين مع الطفل ونزيد من إهتمامنا وحبنا له وتعبيرنا عن تلك المشاعر ولانعتمد علي كونه يعرف أننا نحبه فقد لايعرف، لابد من ترجمة الحب لأفعال يستطيع الطفل إدراكها. لا يقتصر الأمر علي الهدايا العينينة فحسب بل يبقي الأساس في دعم التواصل الإنساني معه والتأكيد علي حبنا له مهما كانت الظروف مع الإيضاح المستمر بكون مشاكل الأبوين لاتتعلق به. وفى السن الصغير، لابد أن يشعر الطفل أنه لا يوجد أي تغيير فى روتين الحياة اليومية ولا يجب أن ينزل حضانة فجأة إذ قد يترجم ذلك لإنفصال الأبوين فيمقت الحضانة وفى بعض الأحيان التعليم ككل. لابد أن نتحمل فى البداية بعد الإنفصال التغيير بسلوكيات الطفل فقد يُصبح عدوانياً أو عصبياً وهو الأمر الذي يتقلص بمرور الوقت وفي حالة حدوث أي تغير لابد من إستشارة الطبيب علي الفور.

أما في السن المتقدمة نوعاً ما، لابد أن يشعر الطفل أنه محور إهتمام الأبوين برغم المشكلات أو الصعاب التي تعترك الحياة. هذا الأمر يتطلب من الأبوين الإتفاق على أسلوب التربية فمن الشائع أن يترك الأب دوره تماماً للأم وينسحب كلية من حياة أطفاله وهي غلطة مدمرة فالطفل يحتاج للأبوين معاً وللأب دوره الكبير فى التشجيع لكونه المثل الاعلى بما لا يقل أهمية عن دور الأم أيضاً. وكثير من الآباء يصبحون أكثر قسوة بعد الطلاق مفسرين الأمر لكونهم يخشون علي الطفل أن يصبح مثل أمه أو يكون «تربية واحدة ست» فلابد ان يكون راجل و تكون النتيجة ان يدخل الطفل فى حالة إحباط وحيرة دائمة بين الأب والأم ولايستطيع الإفصاح عما بداخله من ضعف وبالتالى يصبح مع الوقت فريسة للإدمان أو التطرف وكذلك البنت تصبح مأساتها كونها تشبه أمها وبالتالى لاتصلح لشيء وتكون النتيجة فقدان الثقة بنفسها. لذا كان لزاماً علي الأبوين عدم إستخدام الأطفال كسلاح فيما بينهم فهو سلاح ذو حدين والمجني عليهم دوماً هم الأطفال. في تلك الحالة، يفقد الأولاد الثقة في كلا الطرفين فالأب يسب الأم والتي بدورها تقوي الأولاد علي آباهم وتكون النتيحة مزيد من الإنطواء والبحث عن الملاذ الآمن وهو الأمر الذي يؤثر أيضاً على مستواهم العلمى فيفقدوا الحماس للنجاح بدعوي أنه لا أحد يهمه أمرهم وهو الأمر الذي يصل في النهاية إلي تحطيم تام لمعنويات الأطفال وتدمير شامل ومنظم لمستقبلهم علي كافة الأصعدة.

والتربية السليمة تستوجب وجود أم وأب معاً حتي مع حدوث الطلاق. فالطلاق لا يعني إنعدام المسئولية إزاء الأبناء بل ضرورة بذل مزيد من الجهد للحفاظ علي كيان تلك الكائنات الصغيرة التي لا ذنب لها فيما يحدث بين الأبوين. لابد أن يتفق الأبوين على أسلوب موحد للتربية علي أن يحترمه كلاهما ولا يقوم بتحطيمه بأي صورة من الصور. ينبغي أيضاً علي الأبوين عدم التجريح فيما بينهم وتحاشي تماماً إستخدام الأطفال كأداة ضغط أو وسيلة لتحقيق أهداف أخري بل عليهم الحرص التام علي تشجيع الأطفال بكل وسيلة ممكنة. يظل الأطفال هما الثمرة الحقيقية التي تضفي علي الحياة رونقاً ومذاقاً وطابعاً خاصاً ويظل مستقبل الأطفال هو غاية ما ينبغي أن يتصدر قوائم أولويات الأبوين سواء عاشوا سوياً أو إفترقوا. علي الأبوين في كل مرحلة إستيعاب المتغيرات التي تطرأ علي الزطفال كيلا تؤثر سلباً عليهم أو تلحق بهم أية أضرار نفسية أو مرضية في وقت لاحق. فنمو الطفل ودخوله مجتمعات جديدة كالمدرسة مثلاً يستوجب من الأبوين الإتفاق على سيناريو موحد لتفسير غياب أحدهما عن المشهد أو ظهورهما منفردين بما يزيح عن الطفل الحرج من إتفصال أبويه. وحتي عند الإنفصال، عليهم الحرص علي حضور المناسبات الهامة للأولاد سوياً فهو الأمر الذي يؤثر سلباً بعدم حدوثه علي الأطفال. يأتي الطفل إلي الحياة نتيجة قرار أبويه بالإرتباط ولا يعني قرارهما بالإنفصال نهاية حياته أو فشلها بل ينبغي أن تكون مجرد تغيير في حالته ونمط حياته وربما في أحيان بعينها للأفضل والأحسن.

[avatar]

فريق تحرير النهارده

نحتاج يومياً لمعرفة كل ما يدور في العالم من حولنا فالأحداث تتلاحق في سرعة كبيرة والموضوعات تتنوع علي نحو بالغ وهناك في كل لحظة العديد من الأخبار والأحداث والموضوعات الجديدة في شتى المجالات التي تهم كافة أفراد الأسرة من نساء ورجال وأطفال وشباب

كل مقالات ElNaharda