وكان أمساً..

ودوماً تعد الأسواق بالمدن مركزاً  هاماً وأساسياً للنشاط الاقتصادي ومقراً شرعياً لتبادل السلع وعرض الخدمات.. منها أيضاً تري نبض الشعب وتقرأ سطور من تاريخ المكان وترى بين جوارحها كثيراً من الذكريات والقصص وحواديت الماضي البعيد يرويها الباعة والمرتادون وتنبض بها الجدران والزوايا.. وفي دمشق، تكاثرت الأسواق على مر العصور وكانت دوماً ملتقى للقوافل التجارية المتجهة نحو الشرق والغرب.. بعضها أقيم في العهد العثماني والآخر بعده.. ودوماً كان الهدف تلبية الحاجات الاقتصادية والاجتماعية للساكنين.. واليوم هي سوقاً ومزاراً ونزهة تروي سطور من الماضي.. نفحات من التاريخ وذكريات لا تنسى

عديدة أسواق دمشق ومنوعة وأغلبها ينسب لأشخاص عاصروا حقبها الزمنية. هناك سوق «السنانية» الذي ينسب للوالي العثماني سنان باشا وسوق «الدرويشية» نسبة للوالي درويش باشا. أما سوق «الوزير» الذي ينسب للوزير محمد باشا، فيعرف بالسوق الجديد وأقيم علي أنقاض أسواق ومبان قديمة للشرق من باب العادة داخل الأسوار وكان ذلك عام 1192 هـ. هناك أيضاً سوق «الطنوتية» والذي كان مبنياً بالخشب والحجارة المنحوتة الملونة ويقع في حي العمارة والذي قام أسعد باشا العظم بإستخدام حجارته في بناء قصره المعروف سياحياً وتراثياً والمسجل بسجلات اليونيسكو كأحد أهم المباني الأثرية في دمشق ويزوره مئات السياح يومياً ويقع في حي البزورية ويعرف بـ «سوق العظم».

في الماضي، كانت الأسواق تميل إلى التخصص فكان كل سوق مخصصاً لسلعة أو حرفة أو صنعة بعينها وهو الأمر الذي ساهم بنسبة كبيرة في تحديد أنواع الحرف التي كانت سائدة بدمشق والخدمات التي كانت تقدمها آنذاك وهو الأمر الذي يلقي بكثير من الضوء علي طبيعة الحالة الاقتصادية التي كان يمر بها مجتمع دمشق والتطور الذي يلحق به إضافة إلى تخصص الأسواق فإن أسواقاً أخري نسبت لبانيها أو بعض الأسر العاملة بها، بلغ عدد أسواق دمشق أكثر من مائة وخمسين سوقاً انتشر أغلبها داخل سورها وحول الجامع الأموي. وإبان الحكم المصري أصبحت دمشق عاصمة لأقاليم بلاد الشام وأولى الحكام أهمية كبرى لتلك الأسواق، فكلف «أمين الحسبة» بمهمة المراقبة يساعده مندوبو التجار وشيوخ الحرف، وكان من أهم الشروط التي يضعها الحكام علي المحتسبين في تلك الفترة الورع والتدين والدراية بأحوال البلد والرعية وكان لهذا الأمر تأثيراً كبيراً علي مجتمع دمشق بأسره. وإذا ما حدث تقصير من قبل بعض القضاة والمحتسبين، يهاجمهم العامة بعنف وشدة ويقذفونهم بالحجارة بقسوة مطالبينهم بالتشديد في المراقبة وحماية المواطنين الأبرياء من جشع المحتكرين والتجار.

كانت الدكاكين آنذاك مستطيلة الشكل وضيقة العرض ومبنية من الحجارة وتتقابل مع بعضها علي طرفي السوق فتتقارب وتتباعد حسب ضيق السوق واتساعه، وكانت تلك الهندسة بعمارة الدكاكين تسمح لصاحب الدكان فقط بالوقوف في مقدمة محله وإستقبال الزبائن خارج الدكان مما يجعل الإزدحام كبيراً بالأسواق الضيقة وكان البائع يقف خلف «دكة» خشبية يضطر للقفز فوقها للدخول أو الخروج. وبرغم وجود بعض الأسواق الأكثر إتساعاً بمخازنها الأكبر مساحة وحجماً، إلا أن السمة الغالبة علي كل الأسوق كانت ضعف الإنارة لصعوبة نفاذ أشعة الشمس بسبب صعوبة التصميم وعدم وجود نوافذ. أما رواد الأسواق فكانوا من جنسيات وطبقات مختلفة فكان السوق مُعرضاً للأزياء المتنوعة فالآغوات يرتدون فروات الحرير الأحمر الطويلة ويتقلدون السيوف والخناجر المطعمة بالأحجار الكريمة ويعلقونها في أحزمتهم ويسير خلفهم أنفار من الأتباع والخدم والعبيد ليحملوا الغلايين والنراجيل وكان بسيرهم  مباهة إذ يقصدون المقاهي ليجلسوا علي الأرائك ويدخنون الغليون والنرجيلة، وينظرون للمارة بفوقية، أما العامة، فتختلف ملابسهم ما بين ميسور وفقير وراكب وراجل.

لاتزال الأسواق قائمة بطرزها القديمة التي أدخلت عليها التحسينات ولا تزال علي رونقها القديم بها تسمع أصوات المغنيين المبتدئيين التي يستخدمها أصحاب المقاهي لإجتذاب الزبائن فتمتزج أغاني إليسا بعبدالحليم وخوليو أيجليزيس في ثوان قليل وأنت تنتقل سيراً علي الأقدام من مقهي لآخر.