للضحك فلسفة

يعترف‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬نيتشه‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الكائن‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يضحك‭ ‬ويفترض‭ ‬بأن‭ ‬السبب‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬أشد‭ ‬المخلوقات‭ ‬حُزناً‭ ‬وألماً،‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬أن‭ ‬يخترع‭ ‬الضحك،‭ ‬ويقول‭ ‬العالم‭ ‬داروين‭ ‬‮«‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الكائن‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬النكتة‭ ‬ويستخدم‭ ‬الفكاهة‭ ‬ويعرف‭ ‬كيف‭ ‬يضحك‭ ‬ويُضحك‭ ‬الآخرين‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬مُضحك‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إنساني‮»‬‭.‬

إذن فالضحك والفكاهة ضرورة إنسانية لدرجة أن الفلاسفة والمؤرخين إعتبروا أن الضحك صورة من صور المقاومة إستخدمها الإنسان في مواجهة العنف والفاشية والديكتاتورية وقسوة الحياة، يرى علماء النفس أن الضحك هو السلاح الأقوى والأكثر فعالية للتغلب على الهموم والأحزان ومواجهة الإكتئاب وتجاوز الإحباطات. وإذا كان للضحك وللفكاهة تلك الأهمية القصوى في حياتنا، فلابد أن نُدين بالفضل لمن كانت مهمتهم الأولى والأساسية في الحياة إضحاكنا ووضع البسمة على شفاهنا، إنهم ملوك الضحك والفكاهة نجوم وعباقرة الكوميديا، الجيل الأول ومؤسسو هذا الفن، نجوم كوميديا الزمن الجميل.من منا ينسى الحصر الريحاني والقصري وحسن فايق وإسماعيل ياسين وزينات صدقي وماري منيب وعلي الكسار وبشارة واكيم وفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وغيرهم من كبار فناني الكوميديا في حركة الفن المصري والعربي ممن لا تزال أعمالهم باقية حتي اليوم، ولعلنا جميعاً نذكر عمو فؤاد وفوازيره وقفشاته وذكرياته التي نحملها جيلاً بعد جيل.

تأتي حقبة الستينيات لتكون الأكثر توهجاً التوهج والإنطلاق والنجومية لفؤاد المهندس مسرحياً وسينمائياً. في المسرح، تعاون مع عبد المنعم مدبولي وأصبح هذا الثنائي من أهم الثنائيات المسرحية آنذاك وقدما معاً عدداً من العروض والمسرحيات الناجحة. إكتمل النجاح عندما أتي مدبولي بشويكار وكانت فنانة شابة ورشحها لتشارك المهندس بطولة مسرحياته وبدأت إنطلاقة مسرحية هائلة لهذا الثلاثي، يرى نقاد المسرح وباحثوه أن أخصب فترات المسرح المصري على الإطلاق هي تلك الفترة التي شهدت التعاون بين هذا الثلاثي وليس أدل على هذا النجاح مما قالته هند رستم عندما إنفصل المهندس وشويكار فنياً وحياتياً «لقد فقد المسرح المصري نصف قوته» وليس بالأمر مبالغة فقد  إستطاع الثنائي أن يقدم للمسرح المصري وعلى مدى 20 عاماً منذ بدايات الستينيات أهم الأعمال المسرحية ربما في تاريخ المسرح المصري وهي الأعمال التي لا زالت تلقى نفس النجاح والتقدير من كل الأجيال ومن أهمها أنا وهو وهي وسيدتي الجميلة وأنا فين وأنت فين والسكرتير الفني وحواء الساعة 12 وغيرها. هناك أيضاً جيل آخر من الأعمال المسرحية الناضجة منها إنها حقاً عائلة محترمة وعلشان خاطر عيونك وهالة حبيبتي وسك على بناتك وروحية إتخطفت. شكلت تلك الأعمال المسرحية على مدى أكثر من عشرين عاماً وحتى منتصف الثمانينيات علامات بتاريخ المسرح المصري، تجدُر هنا أيضاً الإشارة لإنفصال المهندس عن شويكار مسرحياً وكذلك عن عبد المنعم مدبولي، وهو الإنفصال الذي أحدث نوعاً من الخلل في المشوار المسرحي للمهندس حتي أنه قال بأحد حواراته الإعلامية «نعم لقد تأثرت مسرحياً بإنفصالي عن شويكار، وهي كذلك. إنها حقيقة لا يمكن تجاهلها. بل أن هناك من أكدوا أن المسرح الكوميدي في مصر فقد بريقه بعد هذا الإنفصال، أعترف أنه رغم تقديمي عروضاً عديدة بدون شويكار وقيامها بتقديم عروض بدوني إلا أننا لم نلق نفس نجاح وبريق مسرحياتنا معاً إضافة لضلعنا الثالث مدبولي الذي نجح أولاد الحلال أن يحدثوا الفتنة بيننا. ورغم تصالحنا لكن القطيعة الفنية كانت قد حدثت والنتيجة خسارة فادحة لنا كفنانين ولجمهور المسرح في مصر والعالم العربي.

فلسفة‭ ‬البطل‭ ‬الثاني

ومن المسرح للسينما، إنطلقت نجومية المهندس في الستينيات بمجموعة أفلام قوية أصبحت علامات في تاريخ السينما المصرية مثل نهر الحب والشموع السوداء وموعد في البرج وألمظ وعبده الحامولي والتلميذة وشفيقة القبطية والساحرة الصغيرة وغيرها. ويبقي «صاحب الجلالة» واللقاء الأول مع شويكار و«عائلة زيزي» هما الأهم علي الإطلاق بتوقيع فطين عبدالوهاب الذي لعب دوراً لافتاً في مسيرة كليهما الفنية.

هنا تجدر الإشارة وهو كون فؤاد المهندس قدم البطولة في ثاني أفلامه السينمائية «بنت الجيران» مع المخرج محمود ذو الفقار ولما لم يحقق الفيلم النجاح الجماهيري المنتظر عاد المهندس ومع نفس المخرج أيضاً ومع غيره من المخرجين لأدوار البطولة الثانية حتى في باقي سنوات الخمسينيات والسنوات الأولى من الستينيات حتى استعاد البطولة مرة أخرى في فيلمه الشهير «عائلة زيزي» الذي حقق نجاحاً نقدياً وجماهيرياً كبيراً. ومع بداية عام 1964 بدأت سلسلة الثنائي الشهير فؤاد المهندس وشويكار عندما تقاسما بطولة فيلم «أنا وهو وهي» ومعهما المخرج فطين عبدالوهاب وهو الفيلم المأخوذ عن مسرحيتهما الشهيرة التي حملت الإسم ذاته وحققت نجاحاً هائلاً. ومن وقتها، قدم الثنائي نحو 26 فيلم حتى منتصف السبعينيات ليكون ثنائي «المهندس وشويكار» هو أشهر ثنائي عرفته السينما المصرية، صحيح إن السينما عرفت الثنائيات فنذ منتصف الأربعينيات تقريباً عندما بدأ التعاون السينمائي بين أنور وجدي وليلى مراد. وفي الخمسينيات، كان هناك ثنائيات شهيرة مثل عماد حمدي وفاتن حمامة، شادية وكمال الشناوي، سامية جمال وفريد الأطرش، هدى سلطان وفريد شوقي ثم فيما بعد شادية وصلاح ذو الفقار وميرفت أمين وحسين فهمي ويسرا وعادل إمام، لكن يبقي الثنائي المهندس وشويكار نوعاً مختلفاً فهو صاحب الرقم القياسي 26 فيلماً كما يكاد يكون أيضاً الثنائي الوحيد الذي قدم أفلاماً كوميدية خالصة وليست تراجيدية أو إجتماعية، لم يكونا ثنائياً سينمائياً فحسب بل كانا ثنائياً مسرحياً كما إقتحما معاً الإذاعة وقدما عدة مسلسلات إذاعية ناجحة تحول بعضها لأفلام سينمائية ناجحة وإعتُبرت من كلاسيكيات الإذاعة المصرية. بعد فيلمهما الأول، قدما معاً في العام التالي 1965 فيلم «إعترافات زوج» والذي كُتب خصيصاً للسينما وليس نقلاً عن مسرحية  ثم توالت أفلامهما بنجاح كبير ومنها غرام في أغسطس، أخطر رجل في العالم، إجازة بالعافية، الراجل ده هيجنني، مطاردة غرامية، مراتي مجنونة مجنونة، إجازة غرام، أشجع رجل في العالم، العتبة جزاز، المليونير المزيف، شنبو في المصيدة، ربع دستة أشرار، أنت اللي قتلت بابايا، فيفا زلاطا، جريمة إلا ربع» وهذا الفيلم الأخير كان آخر أفلاهما معاً وجاء بعد فترة إنقطاع طويلة نتيجة إنفصالهما الفني والإنساني لكن المخرج ياسين إسماعيل ياسين إستطاع أن يجمعهما معاً في هذا العمل الذي كان من تأليفه وإخراجه وكان هذا في عام 1990.

هو‭.. ‬مع‭ ‬غيرها

لم يقتصر المشوار المسرحي لفؤاد المهندس على شويكار فقدم أعمالاً أخرى بدون شويكار حتى وهما معاً وهي أيضاً قدمت أفلاماً حققت نجاحاً كبيرا.ً لعب المهندس أدوار البطولة وأحياناً الدور الثاني بسبب تقدمه في العمر أو لأن الدور أعجبه بصرف النظر عن حجمه. وفي السبعينيات وما بعدها، قدّم أفلاماً من بطولته مثل عودة أخطر رجل في العالم وبديعة مصابني وكان المهندس يعتز كثيراً بهذا الفيلم لأنه جسد فيه شخصية أستاذه ومعلمه «نجيب الريحاني» وكان الفيلم يتناول حياة بديعة مصابني وقصة حبها وزواجها من الريحاني. وفي حقبة الثمانينيات، عاد لأداء الدور الثاني أمام تلميذه عادل إمام الذي منحه فؤاد المهندس الفرصة في بدايات حياته في مسرحية «أنا وهو وهي» وقتها قال عادل إمام جملته الشهير «بلد شهادات صحيح» والتي لفتت إليه الأنظار كنجم كوميدي مُبشر لذلك كان ولايزال عادل إمام يعتبر المهندس أستاذه وكذلك سعيد صالح والراحل يونس شلبي وغيرهم. قدّم المهندس مع عادل إمام ثلاثة أفلام خلال الثمانينيات هم خمسة باب وزوج تحت الطلب وخلي بالك من جيرانك. وفي التسعينيات، قدم فيلمه الشهير «أيوب» أمام عمر الشريف ومديحة يسري وآثار الحكيم وكذلك آخر أفلامه مع شويكار «جريمة إلا ربع». أما آخر أعماله السينمائية على الإطلاق فكان «ونسيت أني امرأة» الذي تقاسم بطولته مع الفنانة ماجدة. ولا ننسي له عمله الشهير «البيه البواب» مع أحمد زكي وصفية العمري. وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان للتلفزيون نصيب من إبداع فؤاد المهندس فقدم عدة أعمال تلفزيونية أشهرها «عيون» مع سناء جميل ويونس شلبي، لكن تظل أعماله للأطفال من أهم ما قدمه فقد ظل يقدم سنوياً في رمضان وعلى مدى ما يقرب من عشر سنوات متواصلة «فوازير عمو فؤاد» وكانت من أفضل ما قدم للأطفال على شاشة التلفزيون كما أنه صاحب عدد كبير من الأغنيات التي قدمها للأطفال كان يقدمها في أعماله المسرحية مثل مسرحية «أنا فين وأنت فين» التي قدم فيها أغنية «رايح أجيب الديب من ديله» وأغنيات مسرحيته «هالة حبيبتي» التي إعتبرها النقاد مسرحية للأطفال رغم نجاحها الكبير مع الكبار أيضاً.

ويبقي‭ ‬العشق‭ ‬الأكبر

كان المهندس محباً للغناء وقدمه بأعماله المسرحية والسينمائية والتلفزيونية وقدم أكثر من دويتو غنائي مع شويكار وأيضاً مع صباح ولحن له أغنياته عدد من كبار الملحنين منهم الموسيقار محمد عبدالوهاب وحلمي بكر وبليغ حمدي، كما لا ننسي برنامجه الإذاعي النقدي «كلمتين وبس» الذي ظل يقدمه يومياً على مدى أكثر من عشرين عاماً وكان يكتبه الكاتب أحمد بهجت كذلك برنامجه الإجتماعي اليومي الذي كان يقدمه مع شقيقته الإذاعية صفية المهندس «إلى ربات البيوت» الذي كان يقدم خلاله دراما «عيلة مرزوق أفندي» وهو أحد أهم البرامج الإجتماعية في الإذاعة المصرية طوال تاريخها. ورغم نجاح المهندس بأغلب أعماله وطوال مسيرته الفنية الذي قدم خلالها نحو 80 فيلماً إلا أنه ظل يعتبر نفسه فنان مسرح وكان المسرح هو عشقه الأكبر، لدرجة أنه كان يقف على خشبته كل ليلة وهو مصاب بجلطة في القلب أثناء مسرحيته «إنها حقاً عائلة محترمة» وأكد له الأطباء أنه شفي من إصابته من خلال وقوفه على خشبة المسرح كل ليلة. مع بداية الألفية الجديدة، عاد إليه المرض إذ أصبح في الثمانين من عمره ولم يعد قادراً على العمل وأصابه الإحباط فقد كان يظن أنه سيظل وافقاً على المسرح وأمام الكاميرا حتى آخر عمره كما هاجمته أمراض الشيخوخة وكان كل ما يسليه أحفاده من أبنائه محمد وأحمد. وقد تزوج المهندس مرتين فقط برغم الإشاعات وكان زواجه الأول من عفت سرور وكان زواجاً تقليدياً مع بداية مشواره الفني أما زواجه الثاني فكان من شويكار وإستمر نحو 20 عاماً قبل أن ينفصلا وبعدها لم يتزوج مطلقاً فكان يعتبر شويكار توأم روحه والحب الوحيد في حياته وظلا أصدقاء حتى بعد طلاقهما. بدأت حالة المهندس تسوء أكثر صحياً ونفسياً بعد أن بدأ يشعر بالوحدة وأحياناً بالجحود من قبل كثير من الفنانين ممن وقف بجانبهم وساهم في صنع نجوميتهم وشهرتهم. ظل حزيناً للغاية لإبتعاده عن المسرح وكثيراً ما كان يبكي جراء هذا الابتعاد وأصابه الإكتئاب وتوفي وحيداً في شقته بالزمالك مساء 16 سبتمبر عام 2006 عن 82 عاماً. ورحل سفير الكوميديا الراقية وأحد آخر ملوك المسرح العظام وفارس زمن الفن الجميل.

[avatar]

فريق تحرير النهارده

نحتاج يومياً لمعرفة كل ما يدور في العالم من حولنا فالأحداث تتلاحق في سرعة كبيرة والموضوعات تتنوع علي نحو بالغ وهناك في كل لحظة العديد من الأخبار والأحداث والموضوعات الجديدة في شتى المجالات التي تهم كافة أفراد الأسرة من نساء ورجال وأطفال وشباب

كل مقالات ElNaharda